السيد نعمة الله الجزائري

21

نور البراهين

أخي تقدمني بالمجئ من شط بغداد ، ولما رأته والدتي خطر ببالها الخواطر من جانبي ، وانه ما تأخر إلا لقضية حادثته ، فبقيت في الجزائر مع أخي في الصباغية ثلاثة أشهر ، وشرعت في شرح تهذيب الحديث هناك ، ثم انتقلنا إلى نهر صالح ، فرأينا أهلها أخيارا صلحاء وعلماؤها من أهل الايمان ، منزهين عن النفاق والحسد ، فأحسن كلهم الينا إحسانا كاملا ، فبقينا هناك ستة أشهر أو أكثر ، وبنوا لنا مسجدا جامعا كان من الأول يصلى فيه شيخنا الأجل خاتمه المجتهدين الشيخ عبد النبي الجزائري ، وكنا نصلي فيه جماعة لا جمعة . ثم إن السلطان محمد بعث عساكره إلى سلطان البصرة للحرب معه ، ويأخذ منه الجزائر والبصرة ، فذهب فكر سلطان البصرة إلى أنه يخرب الجزائر والبصرة : وينقل أهلهما إلى مكان اسمه سحاب قريب الحويزة ، فانتقلنا كلنا إليها ووضع عسكره في قلعة القرنة ، وجلس هو مع أهل الجزائر في سحاب ، وكان يجئ إلى عندنا ، فإذا جاء وضعوا له في الصحراء عباءة ، وإذا أتيت إليه قام وأجلسني معه على تلك العباءة ، وكان يظهر المحبة والوداد لي كثيرا ، فلما قرب الينا عساكر السلطان محمد وحصروا القلعة كانوا يرمونها كل يوم ألف مدفع أو أقل ، وكانت الأرض ترجف من تحتنا هذا وأنا مشغول في تأليف شرح التهذيب ، فبعثت العيال وأكثر الكتب مع أخي إلى الحويزة ، وبقيت أنا وكتب التأليف . ثم اني طلبت الاذن من السلطان في السفر إلى الحويزة ، فلم يأذن لي ، وقال : إذا خرجت أنت من بيننا ما يبقى معي أحد ، فبقينا في الحصار أربعة أشهر تقريبا ، فأتى شهر الله شهر رمضان ، فسافرت إلى الحويزة ، وكنت أنتظر الاخبار ، فلما كان ليلة الحادية عشرة من ذلك الشهر وهي ليلة الجمعة خاف سلطان البصرة من خيانة عسكره وفر هاربا إلى الدورق : فبلغ الخبر إلى أهل الجزائر طلوع فجر يوم الجمعة ، ففرت النساء والرجال والأطفال والشيوخ والعميان وكل من كان ذلك الإقليم طالبين الحويزة ، وبينهم وبينها مسير ثلاثة أيام ، لكنها مفازة لا فيها ماء ولا كلاء ، بل ارض يابسة ، فمات من أهل الجزائر في تلك المفازة عطشا وجوعا وخوفا ما لا يحصى عددهم إلا الله تعالى ، وكذلك العسكر الذي في القرنة قتل منه أيضا خلق كثير .